المقريزي

247

رسائل المقريزي

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله على جزيل نعمه ، ووفور أفضاله وعموم فضله وغزير فعاله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ، وبعد : فهذه مقالة لطيفة ، وتحفة سنية شريفة في حرص النفوس الفاضلة على بقاء الذكر . أسأل الله تعالى أن يجعل لنا ثناء حسنا في الصالحين ، وأن يحبونا بالزلفى يوم الدين بمنّه وكرمه آمين . اعلم أن البقاء من أحسن صفات الله تعالى ، فاتصاف العبد بما أمكن من البقاء هو أعلى صفاته وأفضلها ؛ إذ ليس للعبد من نفسه إلا العدم ، وأما الوجود فمن قبل الله تعالى ، وقد تقرر في موضعه من الحكمة أن لكل شيء غاية ، فغاية المعدن أن يصير ذهبا ، وغاية النبات النخلة ، وغاية الحيوان الإنسان ، وغاية الإنسان أن يكون عالما ، وغاية العالم أن يكون ملكا مقربا باقيا بالذكر ، فالفاضل هو الذي يحرص على بقاء ذكره دائما ، قال الله تعالى حكاية عن إمام الحنفاء إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ « 1 » والمراد باللسان : القول ، فوضع اللسان موضع القول . قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : هو إجماع الأمم عليه ، وعن مجاهد والحسن : الثناء الحسن ، وعن مجاهد قال : ما أراد إلا الثناء الحسن ، فليس أمة إلا وهي توده « 2 » ، وقيل : معناه « 3 » : سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق فاستجيب دعاؤه في نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وعن القشيري « 4 » [ قال ] : أراد الدعاء الحسن له إلى القيام الساعة ، فإن زيادة الثواب مطلوبة في كل وقت ومن كل أحد « 5 » . وقد جعل الله تعالى ذلك لإبراهيم عليه

--> ( 1 ) الشعراء : 84 . ( 2 ) ونحو ذلك عن قتادة وعكرمة وابن زيد . انظر هذه الآثار في ابن كثير ( 3 / 338 ) ، الطبري ( 9 / 502 ) ، القرطبي ( 13 / 76 ) . ( 3 ) هذا النقل في القرطبي ( 13 / 76 ) ، وهو معزو إلى مكي بن أبي طالب القيسي المفسر ، وتعقبه ابن عطية الغرناطي فقال : وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ ، كذا في « المحرر الوجيز » ( 12 / 67 ) . ( 4 ) القشيري : هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك الإمام الشافعي المحدث الصوفي ، ولد سنة 376 ه ، وتوفى بنيسابور سنة 465 ه له تصانيف كثيرة منها : التيسير في التفسير ، ولطائف الإشارات في تفسير القرآن . هدية العارفين ( 5 / 608 ) . ( 5 ) نقله القرطبي في « تفسيره » ( 13 / 77 ) .